وجهة نظر

“صاحب الحوت”والمتاجرين بالقضية

02 نوفمبر 2016 - 02:25

إن الحادث المأساوي الذي وقع قبل أيام بالحسيمة، وراح ضحيته شاب مغربي يزاول تجارة الجملة في السمك، بقدر ما أثار غضب وتضامن واسع من الرأي العام المغربي، فإنه أعطى فرصة لبعض الجهات المغرضة لاستغلال مشاعر الغضب، للركوب على الحادث، وتجييش الشارع لغايات سياسية دنيئة..

كل المغاربة أصابهم الأسى والألم من الصور الصادمة للشاب الذي قضى وسط آلة ضغط الشاحنة، وهذا الأمر مفهوم وطبيعي، من باب التعاطف الإنساني، لكن التداعيات الخطيرة التي ترتبت عن الحادث، ناتجة عن دخول أطراف سياسية على الخط لتأجيج الشارع، لأن لديها أجندات وحسابات خاصة بها.. فهي استغلت الحادث الأليم للترويج لخطاب متطرف، يسعى للدفع في اتجاه المساس بالأمن والنظام العام، وهذه الأطراف لا زالت تراودها أحلام “الثورة” أو “القومة” أو “الانفصال”.. وهي غير معنية بما وقع للضحية، وإنما ركبت على قضيته للضغط من أجل تحقيق بعض المكاسب السياسية، وقد تقاطعت مصلحتها في المعارضة الجذرية للنظام، ورفضها الإصلاح التدريجي عبر المؤسسات الرسمية، وتراهن على الشارع من أجل التغيير الجذري، من دون أن يكون لديها أية مشاريع بديلة..

هذه القوى السياسية الراديكالية، هي التي تقف خلف الاحتجاجات التي انتقلت من الحسيمة إلى عدد من المدن، والتي رفعت شعارات من قبيل “ضد الحكرة”، وإن كان ظاهرها التضامن مع الشاب الفقيد، فإن باطنها تصعيد الاحتقان والتوتر الاجتماعي من أجل إحداث الفتنة، والدفع بالضغط الشعبي لتغيير النظام، على غرار ما حدث في بعض دول الجوار..

كل المغاربة تأثروا بالنهاية القاسية للمواطن المغربي محسن فكري رحمه الله، بغض النظر عن أصوله، والتي حاولت بعض الجهات المندسة إثارة نعرتها، ولكن لحد الآن لا زالت تفاصيل الحادث الأليم غير مكتملة، فهناك عدة روايات متضاربة، وإن كانت بعض الشهادات تشير إلى مسؤولية السلطة، وقد فتح التحقيق لمعرفة ملابسات الحادث، ومتابعة كل من تسبب في الحادث..وهناك شهادت لأشخاص مقربين من الفقيد، تنفي ما تداولته بعض وسائل الإعلام من أخبار، وتشدد على رفضها تسييس الحادث من قبل بعض الجهات السياسية.

لأجل دلك، لا بد من انتظار استكمال التحقيق، وتحديد المسؤوليات، وتوقيع الجزاءات على المتورطين.. وهذا غير كاف طبعا، لأن تجاوزات بعض رجال السلطة، أصبحت متكررة، وهو ما يتطلب من الدولة، اتخاذ إجراءات صارمة وفعالة لحماية المواطنين من تعسفات ممثلي السلطة على اختلاف تخصصات ومهامهم، وإنشاء آلية إدارية/قانونية لاستبقال شكاوى المواطنين، الذين يتعرضون لتجاوزات رجال السلطة، وأن يكون جهازا يتمتع باستقلال مالي وإداري، ويتمتع بصلاحيات واسعة، للنظر والبت في الطلبات المعروضة عليه، وإحالتها مباشرة على القضاء عند الاقتضاء..

إن ما وقع للشاب بائع السمك، هو حادث أليم صدم جميع المغاربة، وهو ما دفع كثير منهم للتجاوب مع دعوات الاحتجاج والتظاهر، وأغلب الذين خرجوا للشارع، حركتهم الدوافع الإنسانية النبيلة، لإعلان رفضهم للظلم و”الحكرة” والتعسف السلطوي، لكنهم في نفس الوقت غير مستعدين للتضحية بأمنهم واستقرار بلادهم، وتسييس القضية لإخراجها عن طبيعتها الإنسانية..

لا يسعنا إلا التضامن مع أسرة الفقيد رحمه الله، والدعوة إلى تحكيم العقل وعدم الانجرار وراء التيارات المتشددة، التي تصطاد في الماء العكر، وتتحين الفرصة لخلق الفوضى، من اجل تحقيق أهداف سياسية ضد مصلحة الوطن.

يجب علينا أخذ العبرة من دول الجوار العربي، حيث إن الذين كانوا يحلمون بالثورة، كان همهم هو إسقاط الأنظمة، دون أن يفكروا في التداعيات الكارثية التي ستترتب عن ذلك، ولما سقطت الأنظمة، عمت الفتنة والحروب بتلك الدول، وحل الخراب والدمار، وسقط الآلاف من الأرواح البريئة.. ولحد اليوم، لم يتمكن أحد من إيقاف تلك الحروب المجنونة، ولا زالت شعوب سوريا والعراق واليمن وليبيا تؤدي فاتورة الحسابات الخاطئة والمغامرات الانتحارية لبعض القوى والتيارات السياسية العدمية، التي دفعت بالشعوب للتمرد على الأنظمة..

إن الذين لا يستفيدون من تجارب الأخرين، محكوم عليهم بالوقوع في الأخطاء القاتلة، التي تعصف بكل المكتسبات التي تحققت على ضعفها، لكن هي أفضل من العدم الذي يعد به دعاة الفتنة، وإن الشعوب العربية التي ثارت ضد الفساد والاستبداد، من اجل الكرامة والحرية والعدالة، لم تحقق أي من المطالب التي كانت خرجت من أجلها، وهي اليوم تتمنى لو عاد بها الزمان إلى الوراء، لتستعيد أمنها واستقرارها، والذين يعتبران أولوية حتمية، دونها فقدان الكرامة والحرية..

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

أوزين وجهة نظر

أوزين يكتب مخاطبا الألمان .. التاريخ هو ذاكرة الأمم يا أهل “بريمن”

وجهة نظر

تأديب النساء المغربيات “شْدّي راجْلْكْ قْبْلْ مَطّْيْروليكْ شي وْحْدَة”

وجهة نظر

اللغة الأم ومنطق التشظي

تابعنا على